أبي منصور الماتريدي
161
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ثم في قوله : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وفي قوله : فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ ، وفي قوله : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وفي نحو هذه الآيات دلالة تأخر البيان ، حيث لم يبين ما الأقراء ؟ ، ولم يبين الاعتزال من أي موضع ، ومن أي مكان ؟ ، ولم يبين المخالطة في ما ذا ، وفي أي شئ ؟ فالاختلاف فيه باق إلى يوم التناد ؛ فبطل قول من ينكر تأخر البيان ، وثبت قول من أقر به . وبالله التوفيق . وقوله : وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . ففي الآية دلائل : أحدها : أن ذكر حرمة الكتمان فيمن آمن ليس بشرط فيه دون غيره ؛ إذ قد يلزم ذلك من هو غير مؤمن ، إذ هو غير مستحسن في العقل . ففيه الدليل على أن الحكم الموجب لعلة يجوز لزومه فيما ارتفعت عنه تلك العلة وعدمت وهو كقوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ الأنفال : 1 ] ، وقد يلزم ( إصلاح ذات البين ) في غير الإيمان ، وكذا قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ البقرة : 278 ] ، وقد يلزم ترك الربا للمعاهد ، وقد يجوز ذلك للمسلم في غير داره ؛ فدل أن الحكم إذا ذكر لعلة « 1 » في أحد لا يمنع لزوم ذلك في غير المذكور . قال الشيخ - رحمه اللّه تعالى - : فيه دليل على أن إضافة الحكم إلى سبب لا يمنع حقه ارتفاعه . وفيه دليل ألا يحل ذلك لمن قد آمن في الخلق ؛ لأن حقه التصديق وإظهار الحق ، وفي الكتمان والتكذيب ترك ما فيه من الشرط . واللّه أعلم . ثم اختلف في قوله : ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ . قال بعضهم : الحبل والحيض . وكذلك روى عن علي وعبد اللّه بن مسعود وعبد اللّه ابن عباس « 2 » ، رضى اللّه تعالى عنهم ، أنهم قالوا : ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ : الحبل والحيض ؛ فثبت أن موضع الحيض الرحم . ثم الرحم يشغله الحبل عن خروج الدم ؛ فبان أن الحامل لا تحيض . وعلى ذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إنما ذلك دم عرق انقطع » « 3 » . وهو الأمر الظاهر المتعارف في النساء أن الحبل يحبس الدم . وقال بعض أهل التأويل : ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ : الحبل خاصة دون الحيض ؛ لوجهين :
--> ( 1 ) في ط : العلة . ( 2 ) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ( 19103 ) . ( 3 ) أخرجه الدارقطني ( 1 / 216 ) ، والبيهقي ( 1 / 354 ) عن عائشة بنحوه .